أحدث الأخبارمقالات و آراء

islam occident استشراف العلاقة – بقلم البروفيسور مصطفى شريف

 

يَلزَمُنا قبلَ كلِّ شيءٍ أن نفهمَ الوضعَ المُعقَّدَ قبلَ النظرةِ المستقبليةِ.

1  ـ الإنسانيةُ تَعيشُ أزمةً حضاريةً عميقةً متعدِّدَةَ الجوانبِ.

2 ـ النظامُ الدَّوليُّ ـ خاصَّةً منذُ عامَ 1989م ـ يريدُ فَرضَ سيطرتِه وهيمنتِه علَى العالمِ كلِّه، ويستعملُ القوَّةَ وإلهاءَ النَّاسِ ببُعبعٍ جديدٍ هوَ التطرفُ باسمِ دينِنَا الحنيفِ.

3 ـ أمامَ الأزمةِ الحضاريةِ العالميةِ، والنظامِ الدوليِّ المهيمِنِ، الذي يمارسُ سياسةَ الكَيلِ بمكياليْنِ، يظهرُ العالمُ الإسلاميُّ كآخرِ مقاومٍ، وهوَ في وضعٍ سيِّئٍ وضُعفٍ وتناقضَاتٍ، ويُواجهُ دعايةً مغرضةً مُفبركةً، وتياراتٍ مسمومَةً.

ونَتَجَ عنْ هذَا الوضعِ الخطيرِ الخوفُ مِنْ جُزْءٍ منَ الرأيِ العامِّ الدوليِّ أمامَ الإسلامِ، ونَتَجَ منْ جهةٍ أخرَى الغضبُ في أوساطِ المجتمعاتِ الإسلاميةِ، واستمرارُ الجهلِ عندَ البعضِ من الجهتَينِ.

أمامَ هذهِ الإشكاليةِ الخطيرةِ، يُطْرَحُ سؤالٌ جوهريٌّ عنِ مستقبلِ العلاقات الدولية، انطلاقًا منَ المبادئِ الآتيةِ:

1 ـ لا تكونُ حضارةٌ إلا وهيَ حضارةٌ مشتركةٌ.

2 ـ لا يكونُ نظامُ دوليٌّ فعالٌ، إلا إذا كان مبنيًّا علَى العدلِ.

3 ـ المصيرُ مشتركٌ، فبينَ الغربِ والشَّرقِ تداخلٌ وارتباطاتٌ متعددةٌ.

مُستَقبلُ الإنسانيةِ مرهونٌ بالعلاقةِ بين العالَمِ الإسلاميِّ والعالمِ الغربيِّ، ولنغيِّرَ تدريجيًّا الوضعَ السيئَ (الخوف، والغضب، والجهل)، ونغيرَ ميزانَ القُوَى غيرَ المتوازنِ، يَلْزَمُنَا أن نُرَكِّزَ علَى النُّموِ والتطوُّرِ الدَّاخليِّ، وعلى بناءِ مجتمعٍ معرفيٍّ، وعلى مسؤوليةِ كلِّ مواطنٍ، وعلى تعزيزِ علاقةِ رَشيدةِ وبناءةِ بين مؤسساتِ الدولةِ وأفرادِ المجتمعِ، وتجفيف كل منابع التطرف.

حوارُ الحَضَارَاتِ ينجحُ إذا ركَّزنَا علَى القواسمِ المشتركةِ، ومِنهَا المنطقُ العقلانيُّ، والعدلُ المبنيُّ على دولةِ القانونِ، والمُوَاطنةُ المؤسَّسةُ على المساواةِ في الحقوقِ والواجباتِ، فهذهِ المبادئُ ليستْ حِكْرًا على أحدٍ.

وفِي نفسِ الوقْتِ ينبغي التركيزُ على ضرورةِ التَّكاملِ والانسجامِ بين الوَحدةِ والتَّعدديةِ، وبينَ العامِّ والخاصِّ، وبينَ القديمِ والجديدِ، وينبغِي أيضا عَرْضُ الغَايةِ والخِّطَّةِ والمنهجِ، وفقًا لخصوصَياتِنَا، بدونِ خلطٍ ولاَ تعارضٍ بينَ المستويَاتِ الأساسيةِ للحياةِ.

نعمْ، للآخر الحقُّ في انتقادِ بعضِ تصرُّفاتِنَا الموصوفةِ أحيَانًا بالانكماشِ والغلوِّ والتعصُّبِ، ونحنُ أيضًا لنَا الحقُّ في انتقادِ الحداثَةِ ذَاتِ الطابعِ الغربيِّ المبنيَّةِ خصوصًا علَى العلومِ الماديةِ، والفردَانيةِ، ومنطقِ السوقِ، فهيَ رغمَ المنجزاتِ المشهودَةِ، إلا أنَّهَا تعانِي ضعفًا في المبادئِ الأخلاقيةِ، وضعفًا في بعضِ جوانبِ التعايشِ المشتركِ، وضعفًا في العدالةِ الاجتماعيةِ.

كلُّ الحضَاراتِ القديمةِ كانتْ مبنيَّةً علَى قيمٍ روحيةٍ، تُعْطِي للحياةِ معنَاهَا، وذَلكَ بمحاولةِ استمدادِ مبادئِ العقلِ، وقيمةِ العدلِ.

إنَّ الحداثةَ الغربيةَ ـ فِي إطارِ العولمةِ ـ تحاولُ أن تفرضَ مَنْطِقَهَا المبنيَّ أساسًا علَى العلومِ الماديةِ، وعلى الفصلِ الجذريِّ عنِ المعارفِ الأخرى، وتهميشِ القيمِ الروحيةِ والمبادئِ الأخلاقيةِ، وهذَا ما أَحْدَثَ اختلالاً وزعزعةً في أُسُسِ الإنسانيةِ.

والحضارةُ العربيةُ الإسلاميةُ هيَ التي تقاومُ هذَا الاتجاهَ، وَهذهِ المقاومةُ ينبغِي أنْ تكونَ رشيدةً وحكيمةً طِبقًا للمنهجِ النَّبويِّ، وَأَوَدُّ هنَا أنْ أُسَجِّلَّ نَمُوذَجًا رائعاً من تجليَّاتِ هذه الحكمةِ والرَّشَادَةِ فِي المواجهةِ، ويتمثلُ ذلكَ في التَّجربةِ الرائدةِ للأميرِ عبدِ القادرِ الجزائريِّ، صاحبِ المقاومةِ العسكريةِ الأخلاقيةِ، التي تأسَّستْ علَى إثرِهَا مبادئُ القانونِ الدوليِّ الإنسانيِّ، فهوَ في النهَايةِ قد انتصرَ معنويًا بِأَخْلاَقِه، كما شَهِدَ بذلكَ أَعْدَاؤُهُ المستَعمِرُون. وَهَذَا الإِرْثُ الأَخلاَقِيُّ تَجَدَّدَ فِي سِيَاسَةِ المُصَالحَةِ الوَطَنِيَّةِ التِي بادَرَ بهَا رَئِيسُ الجُمهوريَّةِ السَّيدُ عبدُ العزيزِ بوتفليقة، وتَبنَّاهَا الشَّعبُ الجَزائريُّ، فتجَسَّدَ بِهَا السِّلمُ والوِئَامُ فِي وطَنِي الجَزائِرِ اليَوْمَ.

لاَ مفرَّ لنَا منْ أنْ نُصبِحَ شريكًا فعَّالاً في بعثِ حضارةٍ إنسانيةٍ مشتركةٍ، ونُبرهِنَ بأنَّنَا لا نشكِّلُ تهديدًا، بل نُمثِّلُ شَرِيكًا لا يمكنُ تجاهُلُهُ والاستغناءُ عنهُ، وذلكَ بالتَّركيزِ على مَبْدِإِ التَّعارفِ كشرطٍ للتَّعايشِ، خِدْمَةً للإنسانيةِ، لأنَّ مُواجَهَةَ التَّحدياتِ لا يُمكنُ أن يَسْتَقِلَّ بهَا طرفٌ واحدٌ، فلاَ بديلَ عنِ التَّعاونِ والشَّراكةِ والتَّضامنِ.

إنَّ القضاءَ على التَّمييزِ وَالتَّهمِيشِ والإقصَاءِ، يُعتَبَرُ من أكبرِ التحدياتِ التي يجبُ علَى الإنسانيةِ أنْ تتجاوزَهَا، لتقليصِ الهُوةِ بينَ المبادئِ النظريةِ والممارساتِ العمليةِ، كخُطوةٍ للوصولِ في النهايةِ إلى  بناءِ جسورِ التَّعايشِ والاحترامِ المتبَادَلِ بينَ بَنِي الإنسانِ  .

 

 

حول المؤلف :

دكتور في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ومفكر جزائري ذو سمعة دولية، ومرجع فكري في حوار الحضارات والعلاقات الدولية، خاصة بين الغرب والعالم الإسلامي والتعايش بين الشعوب. وهو يعمل أستاذاً في جامعات عدة. وقد عمل في السابق وزيراً للتعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر، وهو سفير سابق للجزائر في جمهورية مصر العربية، كما شغل منصب المندوب الدائم لدى الجامعة العربية.

كما حصل الأستاذ الدكتور شريف على جائزة اليونسكو/ الشارقة للثقافة العربية لعام 2013حول الثقافة العربية وحوار الثقافات، كما حصل كذلك على الجائزة الإيطالية لثقافة السلم.

 

ألجيريا بوست

موقع “ألجيريا بوست متخصص في مختلف الأخبار و التحقيقات و الحوارات السياسية و الإقتصادية و الثقافية و الرياضية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق