أحدث الأخبارأهم الأخبارمقالات و آراء

تسميم الجاسوس الروسي سكريبال و ابنته .. هل حقا روسيا هي الفاعل؟!

بقلم : الهادي كلكالي 

 

 

تثير قضية تسميم الجاسوس الروسي السابق سكريبال و ابنته يوليانا الكثير من الجدل لدى الرأي العام الدولي ككل ، و خصوصا أنها حدثت في ظل متغيرات دولية و إقليمية فرض إثرها الروس توازنا في الردع مع القوة الدولية الموازية واشنطن ،في قضايا و ملفات دولية جد حساسة مع الغرب كالملف السوري و  الليبي و الكوري شمالي على سبيل الذكر.

 

و السؤال المطروح لدى عامة المتابعين للأزمة الراهنة هو هل روسيا بحاجة إلى استعمال مادة سامة لقتل الرجل و ابنته ؟! و لماذا تم تنفيذ هذه العملية في توقيت كهذا بالذات ؟!

 

ألم يكن في مقدور موسكو تصفية جاسوسها السابق منذ زمن بعيد بحكم القوة و الإمكانات التي تمتلكها لتنفيذ عملية كهذه ؟!

 

إن ثمة متغيرات تجعلنا نشكك في تورط موسكو في عملية التسميم و تأكيد تورط أطراف دولية ثالثة في إحداث صراع بين روسيا و الغرب ، أبرزها توقيت تنفيذ العملية و الوسيلة المستعملة في تنفيذ عملية التسميم المتمثلة في غاز الأعصاب و بقاء الضحيتين على قيد الحياة رغم الحالة الصحية الحرجة التي يمران بها.

 

و من هذا المنطلق ، فإن توقيت تنفيذ هذه العملية التي جاءت في ظرف دولي اتسم بالتوازن و الحوار بين موسكو و الغرب فيما يتعلق بالملف السوري و محاربة الإرهاب الدولي و بالتي فإن الروس هم ليسوا أغبياء للتضحية بمصالحهم السياسية و الأمنية مع الغرب بقتل جاسوس سابق كان بالإمكان تصفيته منذ زمن بعيد.

 

و إلا فكيف يفسر الرفض البريطاني انتظار نتائج التحقيق الأمني في عملية التسميم قبل اتخاذ قرارات بطرد دبلوماسيين روس من أراضيها و ما تبعه من الفعل ذاته الذي صدر من واشنطن و عواصم غربية أخرى ؟!

 

و كيف نفسر أيضا الضغوطات التي مارستها لندن على النمسا لطرد دبلوماسيين روس من أراضيها باعتراف وزير الخارجية النمساوي ذاته ؟!

 

و بهذا ، يمكن القول أن عملية تسميم الجاسوس الروسي و ابنته هي جد شبيهة بعمليات أخرى حدثت في دول من العالم ، من ضمنها عملية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في بيروت و التي لا تزال محل تحقيق دولي منذ أكثر من 13 عاما مضت بحكم دقتها و تعقيداتها و لم يحدد الفاعل لحد اليوم رغم وجود متهمين افتراضيين لم تثبت لحد الساعة أية أدلة تدينهم.

 

كما أن عملية التسميم التي جاءت في ظرف لم تنجح فيه واشنطن و حلفاءها من إنهاء حكم الرئيس السوري بشار الأسد المدعوم من روسيا و أيضا بعد مواقف روسية غير متوافقة مع الموقف الأمريكي و الأوروبي حيال قضايا أمنية و سياسية تخص الصراع في كثير من بقاع دول العالم على غرار الملف الفلسطيني و الليبي و توسع الدبلوماسية الروسية نحو منطقة شمال إفريقيا التي تعتبر بؤرة لنفوذ مشترك بين باريس و واشنطن.

 

إن أزمة دبلوماسية عالمية مفتوحة كهذه من شأنها إعطاء نفس جديد للعدو المشترك للمجتمع الدولي و البشرية جمعاء و هو الإرهاب الدولي الذي سيستثمر لا محالة في إطالة عمر الأزمة بين روسيا و الغرب بهدف إلهاء المجتمع الدولي عن توحيد جهوده و طاقاته لمحاربة “داعش” و أخواتها في سوريا و العراق و باكستان و أفغانستان و منطقة الساحل الإفريقي التي أصبحت موطنا للخلايا النائمة للجماعات الجهادية التي خسرت مواقعها في سوريا و العراق و تحاول خلق موطن جديد لها في منطقة الساحل الإفريقي ، و ذلك ما يجعل من الوساطة الدبلوماسية العالمية بين طرفي الأزمة أمرا عاجلا و أولوية لا تقبل الإنتظار بهدف تجنب الوقوع في شراك الفخ الذي وقعت فيه لندن و عواصم غربية أخرى.

 

و في المقابل ، فإن أقرب طرف مستفيد من هذه الأزمة هو إسرائيل التي كانت تنتظر انهيار نظام الأسد و دخول سوريا في الفوضى حتى تؤمن حدودها الجغرافية بشكل نهائي غير قابل للمساءلة أو التفاوض ، كما أن التحالف الروسي الغربي في محاربة الإرهاب الدولي هو لا يخدم اللوبي الصهيوني المتورط أساسا في خلق جماعات إرهابية عالمية كتنظيم “داعش” و “القاعدة” ، و بالتالي فإن الحل الوحيد هو خلق أزمة بين الطرفين لوقف قطار محاربة الإرهاب الممهد للحل العادل و الشامل للقضية الفلسطينية التي طال أمدها .

 

و بالتالي فإن اتهام روسيا بمحالة اغتيال جاسوسها السابق و ابنته كانت بداية للمخطط الصهيوني الذي يعمل جاهدا على خلق المزيد من بؤر الصراع و التوتر في العالم بأسره و بكل الوسائل و الطرق و خصوصا  بعد فوضى الربيع العربي الذي أثرت بشكل جد خطير في بروز و تنامي المد الإرهابي لجماعات جد متطرفة تهدد الأمن و السلم الدوليين و أثرت بدورها في حركة الهجرة العالمية من خلال ملايين اللاجئين الفارين من ويلات تلك الجماعات نحو دول أوروبا الغربية و الولايات المتحدة و كندا.

 

و من هذا المنطلق ، فإن الأمم المتحدة معنية بالتدخل العاجل وقف رأب الصدع الحاصل بين المعسكرين ، ذلك المنذر بعواقب وخيمة ذات التأثير خطير على الأمن و السلم الدوليين ككل . و لا يكون ذلك إلا من خلال فتح تحقيق أممي عاجل في ملابسات التسميم التي تعرض لها سكريبال و ابنته و معرفة الفاعل و اتخاذ الإجراءات العقابية في حقه.

 

 

 

نبذة عن الكاتب: 

الدكتور الهادي كلكالي هو  إعلامي و باحث جامعي  مختص في العلاقات الدولية و تكنولوجيا و الإعلام و الإتصال الحديثة و كاتب معتمد لدى وزارة الثقافة و مدير موقع “ألجيريا بوست”

 

 

ألجيريا بوست

موقع “ألجيريا بوست متخصص في مختلف الأخبار و التحقيقات و الحوارات السياسية و الإقتصادية و الثقافية و الرياضية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق